محمد بن عبد الكريم الشهرستاني
365
تفسير الشهرستاني المسمى مفاتيح الأسرار ومصابيح الأبرار
قوله : كُلُوا أي وقلنا لهم كلوا وأبحنا لهم الأكل من طيّبات ما رزقناكم ؛ والطيّبات : الشهيات اللذيذة ؛ وقيل : الحلالات المباحة ؛ وأصل الطيّب الطهارة ، والطيّب : الطاهر ؛ وسمّي الحلال طيّبا لأنّه طاهر لم يتدنّس بكونه حراما ؛ وقيل : « 1 » كلوها من الوجه الذي أمرتم به ولا تدّخروا للغد ، نظيره قوله : كُلُوا مِنْ طَيِّباتِ ما رَزَقْناكُمْ وَلا تَطْغَوْا فِيهِ . وقوله تعالى : وَما ظَلَمُونا أي ما نقصونا بالمعصية ولكن نقصوا حظّ أنفسهم باستيجابهم عذابي . وَلكِنْ كانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ ، تفسيره ذلك . ثمّ إن كان الخطاب راجعا إلى أصحاب التيه فهم قد ظلموا أنفسهم بتركهم أوامر موسى - عليه السلام - وتحيّرهم في التيه ؛ وإن كان الخطاب راجعا إلى معاصري النبيّ - صلّى اللّه عليه وسلّم - فهم ظلموا أنفسهم أيضا بتغييرهم تعبير « 2 » التوراة وتركهم الإيمان به ، وتكذيبهم القرآن . وقال بعض أهل المعاني : معناه وما ضرّونا بكفرهم ولكن عاد الضرر إليهم بالتيه في الدنيا والعذاب في الآخرة ؛ وقال السدّي : إنّ اللّه تعالى لمّا تاب على الذين قالوا : لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً وعلى عبدة العجل أمر موسى أن يذهب بهم إلى بيت المقدّس أريحا ، وهي أرض بيت المقدّس ، وفيها جماعة من العمالقة ؛ فساروا حتّى إذا دنوا منها تناكصوا عن الدخول فيها وقالوا : لَنْ نَدْخُلَها أَبَداً ما دامُوا فِيها فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقاتِلا إِنَّا هاهُنا قاعِدُونَ . فغضب موسى ودعا عليهم ، وذلك قوله : فَافْرُقْ بَيْنَنا وَبَيْنَ الْقَوْمِ الْفاسِقِينَ . قال اللّه تعالى : فَإِنَّها مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً يَتِيهُونَ فِي الْأَرْضِ فلمّا ضرب عليهم التيه ندم موسى على دعائه عليهم ، وجاءه القوم الذين يطيعونه ؛ ( 159 آ ) فقالوا : كيف صنعت بنا وإنّا قد بقينا في التيه مع المجرمين ؛ فلا ظلّ لنا نستظلّ به ولا طعام لنا نطعمه ؟ ! فظلّل اللّه لهم الغمام وأنزل عليهم المنّ والسلوى كرامة لهم لا للقوم الفاسقين . وقال محمّد بن إسحاق : لمّا تاب اللّه على عبدة العجل ورفع السيف عنهم أمر موسى أن يسير بهم إلى الأرض المقدّسة ووعدهم النصرة على عدوّهم ، سار بهم موسى - عليه السلام -
--> ( 1 ) . في الهامش عنوان : المعاني . ( 2 ) . س : + عن .